الغزالي
129
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
والغلّ « 1 » الدخيل المخامر الذي أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالي من وقف عليه ، ونظر من الخلق إليه . وللقاضي الأرجاني : تمتعتما يا ناظريّ بنظرة * فأوردتما قلبي أشرّ الموارد أعيناي كفّا عن فؤادي فإنّه * من البغي سعي اثنين في قتل واحد وقال عليّ كرّم اللّه وجهه : العيون مصائد الشيطان ، والعين أنفذ الجوارح سرعة ، وأشدّها صرعة ، فمن أتبع جوارحه نفسه في طاعة ربّه فقد وصل أمله ، ومن أتبع جوارحه نفسه في نيل لذّته فقد أحبط عمله . وأنشدوا : إذا ما صفت نفس المريد لطاعة * ولمّا تشبها للمعاصي شوائب وأتبعها فعل الجوارح كلّها * فتلك عليه أنعم ومواهب تلقته في دار الخلود كرامة * إذا جبّ للعاصي سنام « 2 » وغارب « 3 » قال عبد اللّه بن المبارك : أصل الإيمان التصديق بما جاءت به الرسل ، فمن صدّق القرآن خرج إلى العمل به ، ونجا من الخلود في النار ، ومن اجتنب المحارم خرج إلى التوبة ، ومن أخذ القوت من حلّه خرج إلى الورع ، ومن أدّى الفرائض صحّ إسلامه ، ومن صدق لسانه سلم من التبعات ، ومن ردّ المظالم نجا من القصاص ، ومن أتى بالسنن زكت أعماله ، ومن أخلص للّه قبل عمله . وروي عن أبي الدرداء أنّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا رسول اللّه ، أوصني . قال له : « اكتسب طيبا ، واعمل صالحا ، وسل اللّه رزق يوم ليوم ، وعدّ نفسك من الموتى » . وليحذر من الإعجاب بالعمل فإنّه من أعظم الآفات ، وأحبط الأعمال . فإن المعجب بعمله ممتنّ على ربّه ، وما يدريه أقبل منه أم ردّ عليه . ربّ معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزّا واستكبارا .
--> ( 1 ) الغلّ : العداوة والحقد الكامن . ( 2 ) سنام : ما ارتفع عن الشيء . ( 3 ) غارب : هو الكاهل .